الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

439

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

« فأخرجها من النفس وأشخصها » أي : أذهبها . « عن القلب » اللام في القلب بدل عن المضاف إليه . أي : قلبه كالنفس والبصر في ما مضى ، ويأتي . « وغيّبها عن البصر » والمراد إعراضه عنها ظاهرا وباطنا ، فبعض يمكن ألّا تكون الدّنيا متمكّنة من قلوبهم ، لكن أوضاع الدنيا لهم منبسطة ، وهو غير مذموم ، وبعض بالعكس وهو مذموم ، والأوّل كالغنيّ الزاهد ، والثاني كالفقير الحريص . والممدوح إذهابها عن القلب والبصر ، كما فعل صلى اللّه عليه وآله ، وقد قال تعالى له : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ( 1 ) . « وكذا من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده » قالوا : اجتمعت عدّة من الفقهاء والزهاد عند رابعة العدوية فذمّوا الدّنيا وهي ساكتة ، فلمّا فرغوا قالت : من أحبّ شيئا أكثر من ذكره إمّا بحمد ، وإمّا بذمّ . فانّ كانت الدّنيا في قلوبكم لا شيء فلم تذكرونها « ولقد كان في رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ما يدلّك على مساوي الدّنيا وعيوبها » كما أنّ في عمل الدّنيا مع المنقطعين عن اللّه أيضا ما يدلّ على نقائصها ، إذ يكونون فيها مرفّهين . « إذ جاع فيها مع خاصتّه » وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حبُهِِّ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 2 ) . « وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته » أي : قربته إلى اللّه تعالى ودرجته عنده . « فلينظر ناظر بعقله » الّذي يحكم بالحقّ ، ولا ينظر بهواه الّذي

--> ( 1 ) النجم : 29 . ( 2 ) الانسان : 8 .